أحمد بن محمد مسكويه الرازي
10
تجارب الأمم
* ( طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 28 : 1 - 3 ) * [ 1 ] وقال تعالى : * ( كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ من لَدُنَّا ذِكْراً 20 : 99 ) * [ 2 ] ولو لم يكن في ذلك الا ما ينتفع به المعتبر من قلَّة الثقة بالدنيا الفانية ، وكثرة الرغبة في الآخرة الباقية ، لكفى ما تنتجه هذه البصيرة من جميل الأفعال ، وتحثّ عليه هذه النتيجة من صالح [ 6 ] الأعمال . فكيف وأولى ما يعتمده أولو الأمر وأصحاب الزمان ، ومن بأيديهم مقاليد الملك والسلطان ، وأوجب ما يتشاغل به من إليهم أزمّة الأمور ، وعليهم سياسة الجمهور ، إدمان النظر في كتب التاريخ وإحسان التتبع للأخبار ، والآثار والتفكر في حال من مضى من الأخيار والأشرار ، ليعلموا ما بقي للمحسن من الصيت الحميد الذي صار له حياة مخلَّدة بالأجر [ 3 ] الذي اكتسبه ، وللمسىء من الذكر القبيح الذي جعل صحيفته مسودّة بالوزر الذي احتقبه ، ويتصفّحوا حال الحازم في حزمه وعقله ، والمضيع في تفريطه وجهله ، فيسلكوا من الطرائق أوضحها وأمثلها ، ويتقبّلوا من الخلائق أشرفها وأفضلها ، ويردوا من المشارب أصفاها وأعذبها ، ويرعوا من المراتع أمرأها وأخصبها ، ويأخذوا من الأمور بأحزمها ، ومن التجارب بأحكمها . فمهما يكن من حسنة اقتبسوا منها ، ومهما يكن من سيئة ارتدعوا عنها . فالسعيد من انتفع بالأدب فيما دأب غيره فيه من التجارب ، والرابح من حظى بالراحة فيما تعب به سواه من المطالب . لأنّ العقل غريزة في الإنسان ، والتجارب مكتسبة في الزمان ، والرأي [ 7 ] لقاح العقل والتجربة نتاجه ، والخير مقصد الحجى والاجتهاد منهاجه ، ومن أين للإنسان من العمر الطويل ، ما يحصل فيه على تجربة الدقيق والجليل . وقيل : العمر قصير
--> [ 1 ] . س 28 القصص : 3 . [ 2 ] . س 20 طه : 99 . [ 3 ] . في مد : وبالأجر . ( بزيادة الواو ) .